أحمد بن محمد مسكويه الرازي

225

تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق

واما الأمزجة التي بحسب هذه النسب فهي خفية عنا وعسرة المرام ، وقد إدّعي قوم الوصول إليها ، وليست تكون هذه الأفعال والخواص التي تحدث بين الأمزجة عن النسب المذكورة موجودة في العناصر أنفسها ، والكلام فيها خارج عن غرضنا ، وانما ذكرناها ههنا لأنّها تشبه المشاكلات والمنافرات التي بين الحيوان في الظاهر ، والنسبة التي تحدث بين الناس بالإرادة وهي التي نتكلّم فيها ويقع فيها ومكافأة ومجازاة . والصداقة نوع من المحبّة إلّا أنّها أخصّ منها وهي المودّة بعينها ، وليس يمكن أن تقع بين جماعة كثيرين كما تقع المحبة . واما العشق فهو افراط المحبة ، وهو أخص من المودّة ، وذلك أنه لا يمكن أن يقع الا بين اثنين فقط ، ولا يقع في النافع ولا في المركب مع النافع وغيره ، وانما يقع لمحبّ اللذّة بافراط والمحبّ الخير بافراط ، وأحدهما مذموم والآخر محمود . فالصداقة بين الاحداث ، ومن كان في مثل طباعهم ، إنما تحدث لأجل اللّذة فهم يتصادقون سريعا ويتقاطعون سريعا ، وربّما اتّفق ذلك بينهم في الزّمان القليل مرارا كثيرة ، وربما بقيت بقدر ثقتهم ببقاء اللذّة ومعاودتها حالا بعد حال ، فإذا انقطعت هذه الثقة بمعاودتها انقطعت الصداقة بالوقت وفي الحال . والصداقة من المشايخ ومن كان في مثل طباعهم انما تقع لمكان المنفعة ، فهم يتصادقون بسببها ، فإذا كانت المنافع مشتركة بينهم وهي في الأكثر طويلة المدة ، كانت الصداقة بينهم باقية ، فحين تنقطع علاقة المنفعة بينهم وينقطع رجاؤهم من المنفعة المشتركة تنقطع مودّاتهم . والصداقة بين الاخبار تكون لأجل الخير ، وسببها هو الخير ، ولما كان الخير شيئا